- اتصل بنا: 022416120
- بريد إلكتروني:adbmaqdas@gmail.com
بعد أن تمكّنوا منه وأصابوه برصاصة في صدره وهو مقبل غير مدبر، مرّ شريط سيرته الجهادية في جزء من ثانية، أوّل الشريط كان يوم تخرّجه من دورة حفظ القرآن وسرده له في جلسة واحدة، ثم قال الشيخ: لقد أتممتم الحفظ بقي الفهم والعمل وهذا لا يصحّ إلا في الميدان، وقرأ علينا الاية الكريمة:” فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين..” لماذا: نفر ولم تكن كلمة ثانية؟ لأن الامر متعلق بالجهاد في سبيل الله.
ومرّ عليه في شريطه السّريع يوم عيّن إماما في ذات اليوم الذي أتته ترقية في كتائب القسّام ليتولّى قيادة كتيبة، قشعريرة سرت سريعا وانتشرت من أعماق قلبه إلى عموم جسده كما تنتشر أمواج بحيرة بإلقاء حجر كبير في حضنها، يا للروعة أن تجمع بين قيادة مسجد لتنتج ثورة في صدور العباد في العلن، بينما في السرّ تكون قائد كتيبة.
وتجلّـت على صفحة قلبه ذكرى أوّل مرّة قاد فيها خليّة تسللت خلف خطوط العدوّ، تجاوزت السياج المنيع وضربت عمق معسكر هناك ثم عادت إلى قواعدها سالمة، وتجلّت بسرعة العمليات الناجحة التي كان يصوّب بنفسه ويوجّه غيره عند اصطياد دباباتهم وآلياتهم في هذه الحرب التي اندلعت بعد عملية طوفان الأقصى العظيم، كانت أوّل مرّة قبل أن يتمكّن من إصابة الهدف نارا تشتعل في صدره، كانت خوفا وقلقا أن لا ينجح رميه، ثم تحولت نار صدره بردا وسلاما وهو يرى هدفه يحترق ويتلظّى نارا وسعيرا.
ومرّت تجليّات العمليات التي كانت من مسافة صفر، يرصدون ثم يضعون الخطة ويتسلّلون بكلّ خفة ورشاقة كالموت القادم والمخيّم على رؤوس من قد انتهى أجلهم، زنين الطائرات المسيّرة والمستشعرة لكلّ حركة وسكنة، هدير الدبابات وضربات القصف التي لا تتوقّف، ومفاجآت طائرات الجوّ التي تمحق وتسحق كل مساحة تتوجّه لها صواريخها اللعينة، من وسط كلّ هذا الركام الهائل على الأرض كالعصف المأكول وفي السماء ضجيجا كضجيج الموت الزؤام، كان المقاومون يتسلّلون كالشعرة من العجين، يصيبون هدفهم بكلّ دقّة واحتراف ويعرفون كيف ينسحبون بعد انجاز هدفهم وإتمام المهمّة.
في هذه اللحظات الأخيرة بعد أن أدرك إصابته القاتلة، استحوذت عليه فكرة المسافة صفر، ومرّ في خلده حديث حبيبه المصطفى:” أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد” : “فلا عليك إذا أيها الامام القدوة إلا أن تلقى الله على مسافة صفر” ..
ثمّ سجد ليسلم الروح وهو على أقرب مسافة من ربّه.
التقط الصورة جيش الاحتلال ليسجّل إنجازا ولم يدر أن الله سخّره بهذه الصورة لتكون ماركة فلسطينية مسجّلة لهذا النوع الفريد من الرجال.