- اتصل بنا: 022416120
- بريد إلكتروني:adbmaqdas@gmail.com
وجدوا على جهازه المحمول ملفّا يحمل عنوان: قصّتي مع فلسطين، قال فيها:
بدأت قصّتي مع فلسطين عندما زاملني شاب فلسطيني اسمه “عليّ” في سنتي الثالثة لدراستي الجامعية، كنت كأعمى أو كمن تلتفّ على عينيه عصبة سوداء سميكة، تمنع أيّ بصيص نور من أن يتسلّل إلى عقلي، أتبنّى الرواية الاسرائيليّة بكلّ تفاصيلها مذ كانوا يحلّون ضيوفا علينا أيام مدرستي في صفوفها الأولى، فيشحنوننا حقدا وكراهية على العرب وحبّا وعشقا لشعب إسرائيل الكرام ودولة إسرائيل واحة الديمقراطية الغربية في الشرق الاوسط شديد الظلام، أجمل وأرقى وأفضل تطبيق لقيم الغرب العظيمة لن تجدوها في العالم إلا في دولة اسرائيل.
نجح عليّ في رفع العصبة عن عينيّ، فتحها على مصراعيها وجعلها ترى المشهد بكلّ دقّة ووضوح، ويا لهول ما رأيت، عكس الصورة تماما، رأيت العنصرية البغيضة والتطرّف المجنون، رأيت الجريمة بكلّ صورها البشعة، عصابة تحرّكهم الساديّة المفرطة ويسمّونها دولة بل صوّروها لنا بأنّها الأرقى والأكثر تقدما ماديّا وانسانيّا وحضاريّا، ببساطة جعلني أكتشف أنّها احتلال، تحتل أرض شعب آخر وتسيطر عليه بقوّة السلاح والنّار، وهل هذا اكتشاف يحتاج إلى جهود جبّارة أم هو كمن يكتشف العجلة؟ هذه وحدها كافية لينفضّ الناس عنها وليعرفوا حقيقتها المرّة ولا داعي لتعداد جرائمها وما نتج عن هذا الاحتلال من تهجير وتطهير عرقي وويلات لشعب سرقت أرضه ووطنه وجعلته على قارعة الطريق أو في مخيمات اللجوء والشتات.
تخرّجت من الجامعة والتحقت بسلاح الطيران كمهندس تقنّي، ومنذ ذلك الحين اشتعلت معركة ضروس ميدانها قلبي الصغير، المستقبل الواعد المزهر الذي يفتح لي ذراعيه كعضو فريق هندسة الطيران في الولايات المتحدة الامريكية من ناحية، ومن ناحية أخرى أن هذا الطيران لا يطير إلا فوق رؤوس المظلومين والمقهورين على وجه هذه الأرض ولا يجري على يديه إلا الكوارث والدمار والهلاك، وأنا وجدت نفسي أنظر بعينين ثاقبتين.
ولأكن صريحا أكثر، منذ أهدى إليّ صديقي الفلسطيني العزيز علي كتاب القضيّة الفلسطينية لإدوارد سعيد وأنا أرى المعادلة من طرفيها، هم كانوا يروننا طرف المعادلة التي تظهر مظلوميّة الشعب اليهودي على أيدي النازيّة الألمانية التي حرقتهم في أفرانها وعذّبتهم عذابا شديدا، وكانوا بعرضهم الذكيّ والبارع يصلون إلى حصاد عظيم ولا يتيح للإنسان الأمريكي والغربي من رؤية الطرف الثاني ومظلوميّته.
عندما قرأت هذا الكتاب الذي دفعني لقراءة أغلب كتب هذا المفكّر الكبير الذي جمع بين فلسطينيّته وأمريكيّته في شخص واحد واستطاع أن يدحض الرواية الصهيونية بكلّ دقّة ومهارة فكريّة عميقة لا ترقى لها أبدا الدعاية الصهيونيّة، تعرفت من خلاله إلى طرف المعادلة الثانية وتساءلت: ما علاقة الظلم النازي الذي وقع عليهم بظلمهم للفلسطينيين؟ سؤال كبير وفي الصميم ولا يملكون الإجابة عليه أبدا، استدرارهم لدموعنا عليهم لا يبرّر لهم أن يبكي الفلسطيني دما ممّا يفعلون بهم.
بعد أن قرأت هذا الكتاب وبعد أن أيقظ في روحي كلّ القيم الانسانيّة الجميلة وجعلني أنفض ما تراكم على قلبي من غبار دعايتهم الملوّثة للمشاعر الانسانيّة النبيلة، أدمنت القراءة لإدوارد سعيد، قرأت له في السياسة: غزة أريحا: سلام أمريكي، وعجبت لهم كيف كانوا يرون فلسطين أرضا بلا شعب، وكأنها أرض في صحراء لا يملكها أحد، معقول أرض ملتقى الحضارات ومهد الديانات هكذا كانت تنتظرهم فارغة لتلبّي أحلامهم الشاذّة؟ وقرأت كتابيه ” تغطية الإسلام” و” الثقافة الامبريالية”، وددت لو يقرأها كل الامريكان، للأسف نحن شعب يساق بعاطفته وعلى وقع امبراطوريّة إعلامية قائمة على الكذب وتسيطر عليها الحركة الصهيونية بشكل كبير.
وقرأت عن حادثة قتل الأمريكية المتحرّرة من اعلامهم الأسود، “راشيل كوري”، هذه البطلة التي تصدّت للجرافة الإسرائيلية حيث كانت تهدم بيوت الفلسطينيين في مدينة رفح عام 2003، كانت متطوّعة في منظمة تضامن العالمية وكانت تقول أنها لم تعرف حجم المأساة الفلسطينية على حقيقتها إلا عندما زارت فلسطين ورأت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بأمّ عينها، بكلّ جرأة وشجاعة وقفت أمام الجرافة لتمنع هدم بيت فلسطينيّ، كانت تريد أن ترسل رسالة للعالم فوقفت أمام الجرافة العملاقة إلا أن سائقها داسها تحت جنزير جرافته وجعلها تعربد مرّتين فوق جسدها الغض الطري وفوق كل القيم الانسانيّة التي يجيدون التشدّق بها.
صارت حياتي كلّها غارقة في نقاشات حامية الوطيس حول القضيّة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، وحالة القهر التي يعاني منها الفلسطينيين، لم أترك مجالا للنقاش إلا ودخلته بكلّ قوّة، شاركت في المظاهرات والمسيرات التي اندلعت مع هذه الحرب ووقفت سدّا منيعا في وجه الدعاية الصهيونية التي حاولت بكل جهدها شيطنة الفلسطينيين وبالذات المقاومة الفلسطينية.
كنت راضيا عن دوري في هذه الأنشطة العامّة، أفرّغ ما في صدري من غضب وأسهم في رفع الصوت عاليا في وجه الدعم الامريكي المطلق لهذه المذبحة في غزّة، مذبحة بأدوات القتل الأمريكية والتغطية السياسيّة الكاملة، وعندما أقول أدوات قتل أمريكية أدرك من خلال ما عندي من علم حجم هذه الأدوات، هناك صواريخ تزن طنين من المتفجّرات تلقى على أحياء سكنيّة في غزّة، أدرك أنه بلغ ما ألقي من متفجّرات أمريكية ما يعادل خمس قنابل نووية، أدرك أن ما يقال في الاعلام أقلّ بكثير من حقيقة هذه المذابح المستمرّة منذ خمسة شهور على مدار الساعة بتواطؤ أمريكي كامل. لقد بلغت الجريمة مبلغا يفوق تصوّر الشياطين وليس فقط تصوّر البشر.
أتذكر يا أرون أوّل نقاش مع الفلسطيني عليّ، صرخت يومها في وجهه:
- أنت انسان مجنون أو معتوه، كيف تصف الدولة الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط بهذه الاوصاف؟
” رد مبتسما هادئا:
- أتعلم أنها دولة احتلال، تحتل أرضا ليست لهم، وتسيطر على شعب هذا الأرض وتسومهم سوء العذاب.
- أنت معاد للساميّة، تقول أقوال هؤلاء العنصريين السفّاحين القتلة الإرهابيين الحاقدين على اليهود، ضحايا الهولوكوست والنازيّة العنصرية المجرمة.
- قلت أنهم ضحايا النازيّة العنصرية، ومعروف أن النازيّة ألمان والهولوكوست حدث في ألمانيا، ما علاقة الفلسطينيين بهذا؟ لماذا جاءوا لينتقموا منّا نحن الفلسطينيين؟
- لا أدري، قد تكونوا حلفاءهم، مثلا.
” سألني بوجه نابض وابتسامة سحرتني بما فيها من روح وهدوء:
- أعندك استعداد أن تناقش بهدوء ونفس طويل حتى النهاية التي نرى فيها الحق والباطل واضحين وضوح الشمس منتصف النهار.
- على شرط، أن تقرّ وتتنازل عن أية فكرة باطلة. أنا أعرفكم العرب تحبّون الجدل والإصرار على الباطل.
- أنا موافق. ” وكانت هذه بداية لنقاشات طويلة وصلت بي لأن أعترف أنا وأعلن لكل أصدقائنا الحقيقة التي وصلت لها”
الان لم أعد راضيا بعد بلوغ هذا الاجرام ما بلغ، لم تعد مشاركتي في الاحتجاجات كافية أبدا، وكان مما عاظم من درجة استفزازي أنّهم رشّحوني مع فريق تدريب للذهاب هناك وتدريب الطيّارين الإسرائيليين على تقنيات ل: ال اف 35 تختلف عن سابقاتها ال:اف 16، يا للهول يريدون منك أن تدرّب القتلة على المزيد من القتل، هذا أمر صاعق، فجّر كل المخزون الذي كان بداخلي يتراكم منذ عدة سنوات خلت، مذ تعرّفت على عليّ ثم مرورا بتلمذتي في مدرسة ادوارد سعيد إلى هذه الأيام منذ السابع من أكتوبر وأنا أتابع أفلام الرعب التي يصنعها الصهاينة في “هولوكوست” غزّة، المشكلة أنّي عرفت الحقيقة بكلّ أبعادها، هؤلاء ضحايا النازيّة يقومون بدور النازيّة في ذبح الشعب الفلسطيني في غزّة.
أنا أين موقعي من الإعراب؟ أشعر بأنّ إيماني في عدالة القضية الفلسطينية وما وقع عليها من ظلم يتعاظم في صدري بشكل كبير، لم تعد فكرة من كتاب أو جاءت عبر نقاش عابر، بل فكرة ترسّخت في أعماقي أنبتت إحساسا عميقا سيطر على كياني كلّه، فكرة استحوذت على معنى وجودي في الحياة، أصبحت تشكل حاضري ومستقبلي، كيف أوصل للناس ما وصلت عليه وبشكل سريع، كيف أكتب رسالة يقرأها أهل الأرض أجمعين؟
ولقد استفزّتني أيضا البطولة العظيمة التي يتفنّن في صناعتها أبطال المقاومة، يخرج أحدهم من النفق كما تخرج الأسود من عرينها، يتسلّل للدبابة التي أعرف قدراتها التحسّسية جدّا، كيف يصل جسمها ويخترق رداراتها، يزرع العبوّة في النقطة الأضعف في جسمها ثم ينطلق، تنفجر الدبابة التي تزيد كلفتها عن ستة مليون دولار، الفارق بين المقاتل الفلسطيني والإسرائيلي كما هو الفارق بين هذه الدبابة وتلك العبوة الصغيرة التي لا تكلف ثلاثمائة دولار. انسان ينتفش غطرسة وعلوّا في الأرض، يبسط باطله بالحديد والنار والقتل والدمار، وانسان يقف في وجه هذا المارد الجبّار بكلّ بسالة وتضحية وفداء.
أصبحت في هذا اليوم أمام مفترق طرق: إمّأ أن أذهب لتدريب القتلة، أو أن أسلك طريقا آخر، وأنا مطلع على القدرات التدميرية لهذه الطائرات ومدرك لحجم الجريمة بكل أبعادها، لن أذهب بهذا الطريق أبدا هذا قرار لا رجعة عنه، أمّا الطريق الثاني فلا بدّ أن يتناسب طرديّا مع حجم الجريمة، لا بدّ أن يكون إبداعيا واستثنائيا، موجعا للباطل وأهله، منتصرا للدماء البريئة النازفة بلا توقّف، لم تنجح الانسانيّة بكلّ أشكالها المتمظهرة بهيئة الأمم أو محكمة العدل العليا أو كل المؤسّسات والدول والشعوب من وقف هذه الحرب المجنونة، ولم تلق هذه العصابة سمعها لأحد إلا لصوت شهوتها في المزيد من القتل.
أمريكا الذي أنا مواطن من مواطنيها تقف بقضّها وقضيضها وبكلّ دعمها وحديدها مع العصابة التي تسمّى دولة إسرائيل، وتصرّ إصرار عجيبا على هذا الدعم غير آبهة بمشاهد القتل والدمار التي تحدثها آلتها على أيدي هذه العصابة. كيف وصلت إلى هذه الدرجة من المشاركة الكاملة في هذه المذبحة المريعة؟ كيف يسمحون لهم وبفضل دعمهم بإعادة إنتاج “الهولوكوست” من جديد؟
الدم يغلي في دمي والأفكار تموج كالبراكين المتفجّرة، أصبحت أتابع الاخبار وكلما سمعت عن مجزرة تزلزلت أركاني، نحل جسمي ولم أعد أطيق طعاما ولا شراب، عندما يكاد يقتلني الجوع وتضجّ أمعائي ضجيجا عاليا ألقم فمي شيئا ممّا تيسّر من الأكل دون أن أجد له طعما.
فكّرت بحمل كرتونة أطبع عليها الحرية لفلسطين، حملتها كثيرا وطفت فيها الشوارع من خلال المسيرات المتضامنة مع غزّة، لا أبدا هذه لم تعد تجدي نفعا إلا قليلا أو في حالة البدايات فتكون جيّدة لتحرّض وتملأ الصدور تعبئة غاضبة على هذا المحتلّ اللعين. اليوم بعد عشرات المسيرات وبعد أن تعاظم الغضب في صدري ولم أعد أطيقه، أصبحت كبرميل بارود، فقط يحتاج إلى شرارة تصيب فتيله فينفجر انفجارا هائلا.
لا بدّ من رسالة مدوّية تصل كلّ الناس، وجاءت الفكرة، لا بدّ من التضحية وبأغلى ما أملك، عندئذ تنتصر الفكرة وتصل الآفاق، سأحرق نفسي وعلى بوابة السفارة الإسرائيلية اللعينة، بهذا يلعنهم الناس، يلعنهم كلّ من له إرادة حرّة أو يملك شيئا من المشاعر الانسانيّة النبيلة، ولا بدّ من عمل رسالة قصيرة ليعرف الناس لم قمت بهذا الفعل؟ تسجيل فيديو وأنا ذاهب هناك. وعلى الرغم من أنّ اشتعالي وحده أعظم رسالة وفيها تبدو منظومة القيم الغربية الزائفة وهي تحترق أمام دعمها المطلق لمحرقة غزّة، إلا أنه لا بدّ من رسالة لذوي جلدة الرأس السميكة:
” هناك حرب إبادة جماعية يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي المجرم بحق الشعب الفلسطيني، أنا في سلاح الجوّ الأمريكي لن أشارك في حرب الإبادة هذه، سأقوم بعمل مريع ولكنه لا يساوي شيئا مما تقوم به إسرائيل، سأحرق نفسي احتجاجا على المحرقة التي تقوم بها إسرائيل في غزّة”
إلى هنا انتهت قصة هذا الفدائيّ الأمريكي التي كتبها بيده على جهازه.
شاهد العالم كلّه على شاشات التلفاز أو عبر شاشاتهم الصغيرة رجلا يتقدّم بخطى واثقة، قال مقالته الأخيرة في القصة وكأنه يختم حياته بها، وصل السفارة الاسرائيلية وقف أمامها في باحتها الخارجيّة، أكمل لباسه العسكريّ بلباس طاقيّة تعبّرعن هوية السلاح الذي ينتمي له وهو سلاح الطيران، أفرغ قنينة كانت بيده لمادّة مشتعلة، أشعل قداحته، أبت عليه في البداية وكأنها تشفق عليه، إلا أنّها استجابت بعد تردّد، انتشرت النار بسرعة من أسفل إلى أعلى وجعل يهتف بصوت عال حاسم حادّ مزلزل: الحرية لفلسطين، الحرية لفلسطين. بقي واقفا إلى أن تمكّنت منه النيران فخرّ صريعا، رأى الناس من أتى لنجدته وفتح اطفائية عليه ليحاول انقاذ ما تبقّى من جسده، وفي ذات الوقت التي كانت الشهامة تشتعل في جسد هذا الانسان الفدائي، كانت هناك نذالة تحاول الإحاطة به، رجل أمن السفارة الاسرائيلية يشهر مسدّسه ويصوّبه على هذا الجسد الذي يحترق تماما كما تشهر دولته أسلحتها الفتّاكة على صدر الشعب الفلسطيني العاري.