• فلسطين
تابعنا:

الشهيد سامر أبو دقة وكاميرته المقاومة بامتياز

لعلّ البؤرة الاهمّ والمذهلة والملهمة والمشرقة في ما سمعناه عن شخصية الشاهد بحق على القضيّة والشهيد بجدارة في صراع المخرز والكفّ سامر أبو دقّة، هي اختياره المكان الملتهب بالقصف والدمار، المكان الذي تنتشر فيه رائحة الموت والرعب الملتحم بالنار والدم على مكان آمن ومستقر تتوفّر فيه كل سبل العيش الرغيد والسّعيد المسمّى بلجيكا، الحسابات الذاتية الخاصّة والرغبات الشخصيّة الراتعة بكلّ ملذّات هذه الحياة تختار الخيار الثاني، ولكن لا شيء يعدل حبّ الوطن كما قال شوقي، غلبت كفّة الوطن عند سامر وزاغ عن قلبه كلّ شيء سوى ذلك.

حالة التفاني هذه لم تكن عادية أو شعار نظري يقال في الرخّاء ويسحب عند وقت الشدّة وإنما كانت الثبات بقناعة راسخة رسوخ الجبال والتعبير عنها بتطبيقات عملية على محكّ صعب بل في أقسى درجات الصعوبة، وهذا ما ترجمه من خلال الكاميرا المقاومة، الكاميرا التي يسخّرها صاحبها أعظم تسخير ويجعل منها أداة من أهم أدوات المقاومة.

سامر ردّ على الأراجيف الصهيونيّة بقدرته العالية على التقاط الصورة المعبرة عن واقع الحال، والمتضمّنة رسالة وروح القضيّة المحقّة العادلة والقادرة على مواجهة ظلمات روايتهم المنكرة الباطلة، بصورة احترافية ومن عمق الهولوكوست الصهيوني الذي نصب للشعب الفلسطيني، من هناك تخرج الصورة لسامر فتضيء بها سماء الكون ولتضرب جحافل المعتدين وتخلخل أسسهم الضيّقة.

 جاء السابع من أكتوبر بعزّة مفعمة بكلّ المشاعر النبيلة والإرادة المنتصرة وبروح قوية عالية، بعنفوان الحق في مراغمة الباطل والقدرة على تحقيق الكرامة الوطنية الخالدة، شقّ طريقه قلوب الاحرار وليسكن هناك في أعماقها، انتابت الناس نشوة عزيزة سامية وحلّقت بهم في عليين السموات السبع، وكان لا بدّ من الكاميرا الحيّة التي تلتقط هذا المشهد العظيم، ثم تكالبت الدنيا على هذا النبض العالي بحرب ضروس لا تبقي ولا تذر، جاءت أمريكا بقضّها وقضيضها ومن يلف لفّها من دول استعمارية غاشمة، مارست الاستعمار وما زالت تمارسه بطرق ملتوية ناعمة تارة وخشنة تارة أخرى بما يقتضيه الحال والمآل، وقفت الكاميرا لترسم هذا الوجه القبيح ولتزيل عنه كل الزيف والادعاء.

 وكان لكاميرا سامر نصيب كبير في هذا الفضح لحقيقة الاستعمار، ساهمت مساهمة عظيمة في اكتمال الصورة ورفع كلّ حجب الزيف والادعاء عنها. لذلك أغاظ أعداء الحقّ فكان لهم أن يستبيحوا دمه وأن يجعلوه ينزف قطرة قطرة، تحوّل من صرامة المادّة إلى نقاوة الروح وطهر السماء، أصبح نورا يسري في كلّ نور وروحا تدخل أرواحنا بسلاسة وجمال ودون استئذان.                                                                                                      

ولا بدّ هنا من التنويه أنّ قيام الجيش الإسرائيلي بقتل الصحفي المصوّر في قناة الجزيرة فإنه يقوم بجريمة مركّبة، عدة جرائم في جريمة واحدة: أوّلا: القتل عن سبق الإصرار والتعمّد كونه فلسطينيا مدنيّا وهم بعدوانهم هذا فيما لا يقبل مجال للشكّ يتعمّدون قتل المدنيين، ثانيا: كونه صحافيا يلبس علامات بارزة تظهر مهنته بكل وضوح، وفي ذلك ما فيه من مخالفة قوانين عالمية واضحة في حماية الصحفيين، ثالثا: تركه ينزف دون اسعاف ما يزيد عن خمس ساعات، رابعا: استهداف وتعمد الدور الذي يقوم به: حيث أنّها تعتبر تصوير ونشر صور الجريمة التي تقوم بها يعزّز صورتها المتوحّشة أمام العالم وبالتالي يشكّل هدفا مشروعا للقضاء على هذه الصورة خاصة وأنه يعمل لصالح تلفزيون الجزيرة الذي يتميّز بهذا الدور وبطريقة احترافية عالية. وخامسا هو إصرارهم على هذا النهج القاتل لصوت وصورة المأساة الفلسطينية وما تقوم به من جرائم لا حدود لها في الكمّ والنوع ودرجات الساديّة والتوحّش، وخير مثال قتلهم لشيرين أبو عاقلة ولا مبالاتهم من الفضيحة المدوّية وحجم الإدانة الهائل لهذه الجريمة النكراء على المستوى العالمي. لذلك ولغير هذا يجب أن يفهم العالم أنّ سامر وغيره من الشهداء ليسوا أرقاما بل هم بشر لهم حياة كاملة الأركان كما لبقية البشر، لهم أسرة وأبناء ينتظرونهم كلّ يوم وكلّ مساء، ولقد رأينا أبناءه وهم يغنّون بأرقى الالحان الإنسانية النبيلة، وهم يعبّرون عن لوعة الفراق وشوق اللقاء، وقد رأيناهم بعد الشهادة وقد تقطّعت بهم السبل وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، لم تسع الأرض حزنهم واحتاجت إلى سعة السماء، لولا يقين برحمة ربّ غفور لما استطاعت هذه القلوب المكلومة أن تحمل أثقال هذه الاحزان.

حصة هذا: